علي حرب يفكك "ما بعد التفكيكية" بقلم عبد الحميد الغرباوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

علي حرب يفكك "ما بعد التفكيكية" بقلم عبد الحميد الغرباوي

مُساهمة  محمد صغير نبيل في الأربعاء مارس 16, 2011 12:32 pm

علي حرب يفكك "ما بعد التفكيكية"


ب.ش
علي حرب لا يهدأ، على هدوئه الظاهر. ولا يستقر، على استقراره "الروتيني" في أليفه اليومي. كأنما وجهه على "قناع" يخفي كل هذه التوترات، والاعتمالات، وأشكال القلق، الفكرية التي تصطرع داخله. مفكر لا يتوقف عند فكرة ويستريح عليها. يفكر ليصوغ "تفكيره" باستمرار. كأنه مفكر التحولات، والمفكر في التحولات، على أسس، هي إلى متانتها وقوة سياقها، وسلاسة مقاربتها، ودقة علمها ومصطلحها، تتحرك، إلى ذاتها مستكشفة، بقدر ما تتحول إلى خارج ذاتها منقبة، محللة، مفككة، محطمة الثوابت، هازة اليقينيات، جامعة التناقضات في سيرورتها وصيرورتها. كاهن من كهنة الفكر. بل وصوفي من متصوفيه. عرف على امتداد تفرغه بأمور المعرفة، والفلسفة، وملامساتها الأدب، والمجتمع، واستخلاصاتها النظرية الخالصة أحياناً، كيف يتحرك من موقع إلى موقع، بذلك الحس النقدي والفلسفي غير الجاهز. كأنما عليه أن يبدأ دائماً من النفي ليكون "يقيناً" يعود ويهدمه، ومن ثم ليبني ومن ثم ليهدم. الفلسفة، معه، معطى مفتوح على النفي والتأكد، على الهدم وصوغ مشاريع البناء. هذه "السيرة" الفكرية الذاتية، قائمة على مبدأ التنكر الدائم للذاتية، بمعنى تدمير الذات بشكل مستمر، بحثاً عن الوصول إلى "اللاوصول". إذ أن كل وصول إلى "حقيقة" هو انطلاق إلى ما تفتقده هذه الحقيقة من بذور لتدميرها. إنه المثقف المفكر الذي حاصرته الحقائق الكبرى المصوغة على امتداد القرن الماضي، الحقائق الإيديولوجية من الماركسية إلى الرأسمالية، إلى الظواهرتية إلى البنيوية، وما بينها من وجودية، وعبثية، وصولاً إلى التفكيكية. عصر المدارس والنظريات (وهي إيديولوجية) عرف كيف يخترقه بحس مفتوح. أخذ ما أخذ. لكن أخذ ما أخذ، برهافة نقدية خاصة، واستنباع معرفي، جعلا ما تفاعل به، وما صاغه من بصماته، ومن قلقه، ومن لغته، ومن "نزقه" الفلسفي الجميل، اقصد من اختلافه وإصراره على اختلافه، بحيث يحول "المعطيات" المعممة إلى مفردات خاصة.
كتابه الجديد "هكذا أقرأ ما بعد التفكيك"، (عن المؤسسة العربية للنشر في بيروت) يمثل تفوق علي حرب على نفسه، أقصد أنه يمثل مراجعة علي حرب لظاهرة التفكيك، بل يمثل تفكيكاً جديداً للتفكيك. هنا فصل من الكتاب).

النقد بين قول الممنوع وتفكيك الممتنع


قرأت مؤخراً في جريدة القدس العربي مقالة للكاتب العراقي علاء الأعرجي، تكتسب أهميتها في نظري بقدر ما تفتح المناقشة حول بعض المحاور والمسائل التي تستأثر باهتمام الكتاب والمثقفين العرب، وأخصها بالذكر مسألة "نقد المسلمات"، وما يمكن أن يبنى عليها من التصنيفات لأهل الفكر والعاملين في حقول المعرفة.
وقد ذهب الأعرجي الى تصنيفي في خانة الرافضين للمسلمات التراثية مع أركون وأدونيس وصادق جلال العظم. في حين صنف حنفي والجابري والعروي، والكتاب الإسلاميين، بين مؤمن بتلك المسلمات، وعامل على تعديلها وتطويرها، أو مشتغل بنقدها وتفكيكها. الأمر الذي أثار اهتمامي واستدرجني إلى كتابة هذه المقالة لإيضاح مفهومي للنقد أو للتفكيك، ومن ثم لتبيان منهجي في التقييم والتصنيف.
ومدخلي إلى ذلك تمييزي بين نوعين من النقد: نقد المسلمات ونقد النص.
نقد المسلمات قد يكون مستوى من مستويات النقد، ولكنه وكما يمارس في الأغلب والأعم، إنما ينصب على نقد المذاهب والمدارس. ولذا فهو يقع في إطار النقد الأيديولوجي الذي يختزل أصحابه النص الفلسفي أو العمل الفكري إلى مجموعة أطروحات قابلة للإقرار والتصديق أو للنفي والتكذيب. فالنص بحسب هذا النقد يعامل كما يقدم نفسه، ويقرأ بعين أحادية أو تبسيطية بوصفه كلاماً يتساوى مع معناه، انطلاقاً من الاعتقاد بالتطابق بين الرؤية والعبارة أو بين الماهية والمقولة. وعندها يصبح المطلوب مناقشة القول وفحصه، إما لقبوله بوصفه صحيحاً والتماهي معه على سبيل التبجيل والإشادة، أو لرفضه بوصفه خطأ واستبعاده على سبيل الوصم والإدانة.
على هذا النحو يتعامل مع النصوص الأصوليون التراثيون والعلمانيون التقدميون أو الحداثيون. مع فارق أن الداعية التراثي أو الأصولي، إنما يشتغل بنقض الطرح الحداثي للدفاع عن الخطاب الديني وتثبيت مرجعياته. في حين أن دعاة الحداثة والعلمانية يشتغلون بنقض مسلمات الخطاب الديني بقدر ما يهتمون بالدفاع عن عناوين الحداثة ومرجعياتها، كما نجد نماذج بارزة على ذلك لدى صادق جلال العظم أو نصر حامد أبو زيد.
أما نقد النص، وكما أمارسه، على الأقل بدءاً من كتابي "النص والحقيقة"، فإنه يختلف اختلافاً أساسياً عن النقد الأيديولوجي القائم على نقض الأحكام والأطروحات أو على الدفاع عن المرجعيات والمسلمات.
فالأساس في نقد النص عدم تطابق الكلام ومعناه أو القول ومقصوده أو المفهوم ومرجعه. لأن الأمر يتعلق هنا بتشكيل خطابي أو نسق علاماتي يمتلك كينونته بقدر ما يمارس مفاعيله وألاعيبه، وذلك بما له من الأمداء والظلال أو الحوافي والتخوم أو الجيوب والفراغات أو الطيات والطبقات، وهكذا ليس الأثر بحسب هذه القراءة النقدية وحيد الدلالة أو الوجهة، وإنما هو فضاء رمزي رحب أو عالم مفهومي كثيف أو نص منسوج من التعدد والالتباس أو قول مبني على التوتر والتعارض، الأمر الذي يجعله موضعاً لتعدد القراءات أو لتباين الشروحات و تشتت التأويلات.
من هنا لا يعامل الأثر الفكري معاملة أيديولوجية بوصفه أطروحة ينبغي تصديقها أو تكذيبها. وإنما يعامل معاملة وجودية بوصفه واقعة ثقافية تختزن إمكاناتها أو طاقة تحتاج إلى من يصرفها ويستغلها، أي يعامل كمعطى يحتاج إلى من يقوم باستنطاقه، عما لا يقوله أو عما يمتنع عليه قوله، أي عما يكبته ويرجئه، أو عما يحيد عنه ويتستر عليه، أو عما يختزنه ويفيض به أو يتعداه ويتولد منه.
وهكذا يتحدى النقد مما يعلنه النص ويصرح به، لكي يصبح اشتغالاً على المقولات والأحكام بالرصد والسبر أو بالتحليل والتشريح، لكشف مسبقاتها أو استكشاف أبعادها أو تعرية بداهاتها أو فضح مستنداتها أو تفكيك بنيتها أو زحزحة المشكلات التي تصوغها وتثيرها، وبصورة تؤدي إلى ابتكار أقوال جديدة أو إلى تطوير المفاهيم المتداولة. وعندها يتحول الأثر إلى منطقة خصبة لعمل الفكر، بقدر ما يغدو حقلاً للحفر والتنقيب أو فضاء للتفسير والتأويل أو مخزوناً للاستثمار والتوظيف أو رصيداً للصرف والتحويل.
الجرأة والجدة
في ضوء ذلك يتبدى الفرق الأساسي بين نقد المسلمات كما يطرحه أدونيس أو يمارسه الكثيرون، وبين نقد النص كما أطرحه وأمارسه. ففي نقد المسلمات يتم التركيز على كشف ما لا يقال، أي على الممنوعات من جانب السلطات السياسية أو الدينية، في حين يجري التركيز في نقد النص على تفكيك ما يمتنع على القول أو يستعصي على الفهم، من داخل الفكر، وكما يتمثل ذلك في قوالب المعرفة ونماذج الرؤية أو في أدوات الفهم وعادات الذهن.
والفرق بين النقدين هو فرق بين الجرأة الفكرية والجدة المعرفية. والجرأة يمكن أن تمارس مثلاً بإنكار وجود الجان الذين تحدث عنهم القرآن، أو بالقول إن النص القرآني هو كتاب تاريخي أو نتاج ثقافي للعصر الجاهلي على ما يفعل أبو زيد أو يوحي به أدونيس. في حين أن الجدة المعرفية تجلت بشكل خاص في صياغة المفسرين القدامى لشبكة من المصطلحات حول النص القرآني مثل الحقيقة والمجاز أو العبارة والإشارة أو الأشباه والنظائر أو الظاهر والباطن أو المحكم والمتشابه أو الناسخ والمنسوخ أو الإجماع والتأويل أو العامة والخاصة... وسوى ذلك من المفاهيم والثنائيات التي أغنت معرفتنا بلغتنا وفكرنا بقدر ما جسدت إرادة القول والقدرة على الفهم، من خلال تسليط الأضواء الكاشفة على المعنى ببنيته ونسخه، أو على الداخل بألاعبيه وإحالاته، أو على النص بسلطته وفتنته أو على الخطاب بآليات اشتغاله وقواعد انتشاره.
بهذا المعنى ليس الأثر مرآة للواقع وإنما يشكل واقعة تفرض نفسها وتفعل فعلها، بقدر ما تنشئ عالمها المفهومي وتخلق مجالها التداولي، على ساحة الفكر أو في فضاء المجتمع. هذا شأن مقولة هامة كمقولة ديكارت: أنا أفكر إذن أنا موجود. إن أهمية هذه المقولة المبتكرة لا تكمن في كونها قبضت على حقيقة الواقع، بقدر ما تكمن في كونها افتتحت أفقاً للفكر، بإعادة ترتيب العلاقات بين مفردات الوجود: الأنا والفكر والحقيقة. والذين قرأوها قراءات خصبة، لم يتعاملوا معها بوصفها مسلمة صحيحة أو خاطئة، بل بوصفها حدثاً خارقاً أسهم في افتتاح الحداثة الفكرية، أي بوصفها معطى هو إمكان دائم للتفكير نعود إليه لا لنقضه، بل لابتكار تراكيب مفهومية أو صيغ وجودية جديدة ومغايرة. هذا أيضاً شأن مقولة فوكوياما حول: نهاية التاريخ. من السذاجة والتبسيط القول إنها مقولة متهافتة، كما يقرأها أصحاب العقل الأيديولوجي والمشتغلون ينقد المسلمات، إذ هي مقولة خلقت مجالها التداولي وباتت واقعة من وقائع الفكر، بقدر ما أثارت من الجدالات الصاخبة أو استدعت من القراءات المتعددة.
الأطروحة والشبكة
وهكذا ففي نقد النص لا يعامل الخطاب كما يقدم نفسه، بل يقرأ بوصفه أوسع من معناه أو أغنى من سياقه أو أقوى من مقاصده أو أكبر من حقيقته. ولذا فهو يقول الحقيقة بقدر ما يصنع حقيقته، ويقرأ الواقع بقدر ما يخلق واقعه، ويصف الماهيات بقدر ما يشكل هويته ويمارس سلطته.
بالطبع هذا شأن النصوص الهامة والغنية، التي تجسد ذرى المعنى أو التي تمتاز بمفاهيمها القوية ومقولاتها الخارقة. إنها ليست مجرد مقولات تصف ماهيات بقدر ما هي شبكات تحويلية، مفهومية أو دلالية، نتحول بها عما نحن عليه بقدر ما نحول علاقتنا بالواقع. تستوي في ذلك الآثار الفكرية القديمة والحديثة، الدينية والفلسفية. ولذا ليس المهم هنا القبض والمماهاة، ولا النفي أو الاستبعاد، بل استخراج الإمكان، بإنتاج الجديد من المعارف التي تسهم في إغناء عالم الفكر، في ضوء المشكلات الحضارية والهموم الوجودية، كما في ضوء أسئلة العصر ورهاناته.
على هذا المستوى من النقد، لا جدوى مثلاً من نقض النص الديني أو النبوي، إذ هو فضاء تأويلي متسع أو عالم مجازي متشابك يملي نفسه بوصفه مرجعية للمعنى أو مصدراً من مصادر المشروعية؛ كما يستحيل في المقابل تملك معناه والتطابق معه، لأن المعنى يختلف عن نفسه اختلافاً ما باختلاف الناطق والدال أو بتباين المقاصد والتجارب، سواء بالمعنى الأبسط والأفقر، أو بالمعنى الأغنى والأقوى. مما يعني أن النص معطى لكي نعمل عليه ونخضعه للدرس والتحليل، لتجديد حقول المعرفة أو لتطوير مناهج الدرس أو لتغيير آليات الفهم.
على هذا النحو تعامل مع الحدث القرآني، القدامى كالقرطبي والزركشي والجرجاني، وسواهم من العلماء الذين حولوا علاقتهم به، عبر "تثوير" النصوص والأقوال أو تفجير المعاني والدلالات، إلى علوم ومعارف لغوية أو بلاغية أو فقهية أو كلامية أو فلسفية أو صوفية.. وهذا ما فعله محدثون ومعاصرون أمثال ماكس فيبر ومارسيا إلياد، وسواهما ممن تناولوا بالنقد المعرفي والدرس العلمي المجال الديني والشأن القدسي. لقد نجحوا في إنتاج قراءات معاصرة، خصبة وفعالة، أغنت معارفنا حول العلاقات الاجتماعية والسلطات الرمزية، عبر تحليلات غنية ومبتكرة لأصول المعنى وبنية الوعي أو لمصادر المشروعية ومعايير المصداقية، وعلى نحو تكشف عن خلق حقول أو مستويات أو أدوات جديدة للنظر والتفكير أو للفهم والتشخيص. فمع دركايمم وفيبر تأسس علم الاجتماع، بوجه من الوجوه، من خلال النظر في الظاهرات الدينية والممارسات التقديسية.
هذا ما نعجز عن القيام به حتى الآن في قراءتنا للنصوص التراثية، وفي المقابل ثمة عجز عن تجديد الفكر الحديث للمساهمة الخلاقة في الحداثة التي نتجاوزها الآن نحو ما بعد الحداثة. وهكذا فلم نفلح لا في تجديد القدامى كالفارابي والشافعي، ولا في تجديد المحدثين كديكارت وهيغل، إذ لم يستطع عربي خرق السقف بابتكار نظرية أو افتتاح علم أو اجتراح منهج أو ابتداع فكرة خارقة لحواجز الثقافة وعصور المعرفة. وليس العائق هم الماضون، ولا المحدثون، بل أوهامنا وتهويماتنا حول التراث والحداثة أو حول الحرية والاستنارة.
من هنا لم تعد تستأثر باهتمامي تلك المفاضلات العقيمة بين الغزالي وابن رشد أو بين ابن تيمية والفارابي أو بين ابن سينا وابن خلدون، على أساس الثنائيات القائمة على الفصل الحاسم بين النقل والعقل أو بين التنويري والظلامي أو بين العرفاني والبرهاني. فالكل كانوا مبدعين، كل في مجاله وعلى طريقته. ومهمتنا اليوم أن نقرأ أعمالهم بصورة مثمرة وراهنة، تنم عن الإبداع والابتكار في مجال من المجالات. هذا هو الرهان الآن: التعامل مع الآثار الفكرية بلغة الخلق ومنطق الفتح والكشف، من أجل صرفها إلى سلع معرفية أو نتاجات علمية راهنة قابلة للتداول في أسواق الثقافة وساحات الفكر في العالم.
في ضوء ذلك يتبدى الفارق بيني وبين صادق جلال العظم، إذ هو أصولي ماركسي (خاصة في شطره الأول) وكما يبدو في كتابه: دفاعاً عن المادية والتاريخ، أو في كتابه الآخر: ذهنية التحريم، حيث يشتغل بمنطق الدحض والنقض الذي هو الوجه الآخر للمماهاة والمطابقة، في حين أنني أهتم بتبيان ما هو مختلف ومتعدد أو نسبي ومتغير أو عرضي ومحايث، من وراء مزاعم الثبات والمطابقة والإطلاق أو من وراء البحث عن القدسي والأحادي أو الحتمي والنهائي.. من هنا أشتغل بنقد المرجعيات المطلقة والنظريات القصوى أو بتفكيك العقليات الوثوقية والأصول الثابتة أكانت قديمة أم حديثة، إذ العوائق التي تعطل نشاط الفكر الخلاق، إنما تتردد بين الأختام الأصولية والشعارات التقدمية، أي بين هوامات الداعية التراثي الذي يحول علاقاته بالتراث الغني والرحب إلى معارف ميتة وعقائد متحجرة، وبين أطياف المثقف الحداثي الذي يحول علاقته بمنجزات الحداثة إلى مقولات هشة أو إلى تهويمات أيديولوجية نضالية.
مع التأكيد مرة أخرى على أن النقد ليس مجرد نقض، لأن الآثار الفكرية الهامة لا تنقض، وإنما هي مواد ثقافية نقرأها ونحللها لكي نحولها الى وقائع معرفية، بها نفهم معنى أقوالنا أو ندرك مبنى أفكارنا أو نكشف خفايا أفعالنا وممارساتنا، وبصورة تتيح لنا اجتراح إمكانات جديدة للنظر والعمل، نتغير بها عما نحن عليه، بابتكار مفاهيم وصيغ جديدة، أو بزحزحة المشكلات المزمنة وتغذية العناوين المستهلكة والمشروعيات القديمة بمعانٍ ومقاصد جديدة.
بهذا المعنى نتجاوز التعارض بين الثابت والمتحول، لإعادة صياغة الإشكالية من جديد: فليست المسألة أن نقف مع المتحول ضد الثابت، ولا أن نتمسك بالثوابت في مواجهة المتغيرات، لأن الممكن هو أن نقيم مع الثوابت من الأسماء والنصوص والأحداث علاقات متغيرة ومتحركة، سواء سلباً أو إيجاباً، تبسيطاً وإفقاراً، أو توسيعاً وإغناء، وذلك من خلال نظام للوصول والفصل تعمل فيه وتتداخل جملة من الآليات والممارسات المتعلقة بالشرح والتفسير أو الصرف والتأويل أو الخلق والتحويل، إما على سبيل الإحالة والزحزحة أو النسخ والقلب أو التفكيك وإعادة التركيب.
التفكيك والتصنيف
هذا مثال على النقد التفكيكي، كما أفهمه وأمارسه أو أحاول إتقانه وإعادة إنتاجه وتصنيعه، تحت مقولة جديدة هي "المنطق التحويلي". إنه إستراتيجية فكرية تختلف عن أنماط النقد السائدة، إن من حيث الفضاء العقلي والمنهج الإجرائي، أو من حيث منطق المفهوم وسياسة الفكر. فهو نقد للنقد، لا بمعنى أنه مجرد رد على الرد، بالمعنى الساذج للكلمة، وإنما هو نقد يقع في فضاء ما بعد الحداثة، لأنه يتناول من بين ما يتناوله بالتشريح والتفكيك، أو بالفضح والتعرية، مقولات الحداثة ومرجعياتها كالعقلانية والاستنارة والتقدم والأنا المتعالية والذات الإنسانية، كما يتناول المقولات القديمة، اللاهوتية أو الماورائية، مثل الجوهر والصفاء والماهية والمطابقة والأصل والمفارقة.
والتفكيك ليس هدماً كما يحسب الذين يقرأونه بصورة حرفية ساذجة، وإنما هو سبر الإمكان واشتقاقه أو ابتكاره وبناؤه أو توسيعه ومضاعفته، عبر درس الأزمات وتحليل العوائق، أي هو فاعلية فكرية نقدية، بناءة ومثمرة، لها ثلاثة مستويات: فهو أولاً تشخيص بقدر ما يقوم على صوغ المشكلة أو تعيين الأزمة. وهو ثانياً تنوير بقدر ما يهتم بتفكيك القوالب الضيقة وكسر الثنائيات الخانقة أو تعرية المسبقات المحتجبة أو كشف الموانع المعيقة أو تبديد الأوهام الخادعة. وهو من جهة ثالثة تحرير بقدر ما يطلق إمكانات جديدة للتفكير والعمل، من خلال إعادة صوغ الأسئلة والقضايا، أو بتجديد شبكة المفاهيم والمعايير، أو بابتكار مهام وأدوار جديدة يفكك بها المرء آليات عجزه بفتح أفق وشق درب، أو بفك طوق وخرق حد، أو بتغيير شرط وصوغ معادلة جديدة، وبصورة تتيح له أن يتعامل مع مهنته المعرفية ومهمته المجتمعية بصورة مثمرة وفعالة.
في ضوء هذا الفهم للنقد التفكيكي، تختلف التصنيفات، بحيث أن من نحسبهم من أهل التفكيك قد لا يعرفونه ولا يمارسونه وبالعكس.
فالعروي هو الأقل استخداماً للتفكيك، إذ هو لم ينفتح كما ينبغي على منجزات ما بعد الحداثة ولم يفد من الطفرات المعرفية المصاحبة لها. بل ظل على أرض فلسفة التاريخ بمعناها الماركسي، الحتمي أو التطوري.
أما ا لجابري فإنه يقع في الوسط، بمعنى أنه استخدام التفكيك في مسائل وامتنع عن استخدامه في أخرى. أما العظم وحنفي وجعيط، فإنهم أبعد ما يكون عن التفكيك. وأما أدونيس فإنه يستخدم التفكيك أحياناً على سبيل الفطرة لا على سبيل الصناعة. وحتى لا أظلمه، أقول بأن نقده يتردد بين قول الممنوع وتفكيك الممتنع، بين نقد مؤسسات السلطة ونقد بنية الثقافة.
ربما يكون أركون من أكثر المفكرين استخداماً لمنهج التفكيك في تعاطيه مع الخطاب الديني والتراث النبوي. ومع ذلك فأنا اختلف معه أو عنه في بعض المسائل. منها أن أركون يقع في مطب التجنيس للعقول والمعارف، كما هو شأن معظم المفكرين العرب والمسلمين الذي يشتغلون بنقد العقل العربي أو الإسلامي أو الغربي. وأنا أعتبر أن مثل هذه الممارسة الفكرية، أعني تقسيم العلوم والمعارف والفلسفات، على أساس قومي أو ديني أو جغرافي، هي من أبرز العوائق التي تحول دون التجديد والإبداع في ميادين المعرفة في العالم العربي.
ومنها أن أركون يعتقد بأن المطلوب هو إحداث ثورة حداثية تنويرية على غرار ما حصل في أوروبا مع لوثر وفولتير أو مع ديكارت وكنط، في حين أنني أذهب إلى القول بأننا نشارك في الحداثة الفكرية بنقد الحداثة ذاتها، خاصة وأننا نندرج الآن في ما بعد الحداثة بانفجاراتها المعرفية وعقلانيتها المركبة والمفتوحة على التعدد والتداول.
هناك وجه أخير للاختلاف، وهو أن أركون، وانسجاماً مع الدور النبوي والرسالي للمثقف الطليعي أو النخبوي، يقدم نفسه بوصفه داعية لتحرير المجتمعات العربية والإسلامية، على ما يتخيل المهمة والدور المثقف الحديث الذي يتصرف بوصفه أميناً على الحقيقة والعدالة، أو يتوهم بأنه منذور للدفاع عن العقلانية والاستنارة، خاصة في العالم العربي، حيث يعتقد الأكثرون بأن التحرر الفكري هو تحرر من سلطات المجتمع ومؤسساته.
غير أن مثل هذه المهمة قد استهلكت بقدر ما ترجمت عجزاً عن تجديد المقولات الحديثة وجههُ الآخر تآكل الشعارات التنويرية وفشل المشاريع التحررية. مما يعني أن المشكلة الأساسية لا تكمن في "بنية السلطة" كما يطرحها أدونيس، بقدر ما تكمن في سلطة العقل نفسه. يشهد على ذلك ما تستنبطه خطابات المثقفين، من الشعراء والمفكرين، من العنف الرمزي الذي هو الوجه الآخر للعملة الاستبدادية لدى الساسة والسلطات الدينية. ولذا فالممكن، في ضوء تعثر المشاريع الحداثية، إعادة النظر في الدور النخبوي والرسولي للمثقف، لابتكار دور جديد يُمارس من دون وصاية على الشأن العام، وبعيداً عن المصادرة تحت أي اسم كان.
ليس المثقفون أولى من سواهم بالحقيقة والحرية أو العدالة، ولا بالعقلانية أو التنمية. فليس داعية العقلانية أو العامل في مجال من مجالات المعرفة والعاجز عن تطوير حقول المعرفة أو تجديد صيغ العقلانية، أكثر عقلانية من رجل الأعمال أو من العامل في أي قطاع من قطاعات المجتمع، ممن يتعاملون مع عقولهم ومهنهم بصورة خلاقة ومنتجة أو فعالة وراهنة. ولا داعي للكلام على الشعراء الذين تحركهم، من خلف بيانات العشق للحرية، منازع احتقار الناس أو إرادة الإلغاء بعضهم لبعض، من المتنبي حتى نزار قباني. فالأولى إذن بالمثقفين أن يتحرروا من أطيافهم التنويرية، وأن يضعوا سياساتهم الفكرية موضع النقد والتشريح، لكشف العوائق والموانع التي تلغم مشاريعهم أو تقودهم إلى إعادة إنتاج ما يشكون منه أو يعملون على مناهضته.
لا مراء أن الجرأة على مواجهة سلطة المنع والرقابة إنما لها أهميتها بقدر ما تجسد إرادة المعرفة والكشف. ولكن هذا مجرد وجه من وجوه النقد وليس كل النقد. فالأهم هو قدرة الذهن على اقتحام المناطق الخارجة عن نطاق التفكير أو المستعصية على الدرس والتحليل، وذلك بتسليط الضوء بصورة متواصلة على ما نمارسه من مقولاتنا وأحكامنا أو مشاريعنا ومهامنا من الإطلاق والثبات أو من الأحادية والمركزية أو من التقديس والتأليه، فضلاً عن مزاعم التيقن والقبض أو التملك، وهي منازع وممارسات وآليات تعرقل عمل الفهم والإنتاج المعرفي. بهذا المعنى يمكن القول بأن المفكر هو من يتحرر في المقام الأول من سلطة أفكاره، بحيث لا يستعبده أصل أو اسم، ولا تستبد به عقيدة أو مقولة. على هذا المستوى من تناول المسائل لا أعتقد أن السلطات المجتمعية هي التي تحول بيننا وبين إنتاج أفكار جديدة حول العالم. وإنما المانع هو عدتنا المعرفية وصيغنا العقلانية، ولذا فإني اعتبر أن مأزقنا يتجلى أولاً في بنية الثقافة، ويتجلى خاصة في نظام الفكر ومصادرات العقل، كما يتجلى بشكل أخص في مشاريع المفكرين وعقولهم، أي في عقلياتهم الأصولية وفي سياساتهم الفكرية، أو في أشباحهم المثالية وشعاراتهم الطوباوية.
وفي ما يخصني ويعنيني، فأنا أتعامل مع مهنتي بوصفي عاملاً في ميدان من ميادين المعرفة التي هي الفلسفة. ولذا لا أتصرف كداعية للتحرير، ولا كعالم لاهوت أو كلام، ولا كمنظر عقائدي أو قومي، ولا أحصر همي بالتراث العربي أو الفكر الإسلامي. وإنما يمكن أن أشتغل على أي معطى لكي أقرأ العالم وأجدد شبكات الفهم، أو لكي أفهم واقعي وأغني الرصيد المعرفي البشري، وذلك عبر الانخراط في المناقشات العالمية الدائرة حول القضايا التي تستأثر باهتمام الإنسان المعاصر.
من هذا المنطق أدخل دخولي النقدي على المفكرين العرب المعاصرين الذين أفدت منهم بقدر ما استدخلت أعمالهم، ولذا فأنا أتقاطع معهم بقدر ما اختلف عنهم. والمهم أنني لا انتقدهم على سبيل النفي والإدانة، وإنما أحاول تحليل المآزق وكشف العوائق كما تتجسد في مصادرات العقل ومسبقات الفكر أو في بنية الثقافة وقوالب المعرفة أو في عادات الذهن ومناهج الدرس أو في أدوات الفهم وشبكات القراءة، والمآزق هي في النهاية مآزقنا جميعاً دون استثناء هذا ما اشتغلت عليه في كتابي الجديد: "سياسة الفكر".
***
بالنسبة إلى مشروع الجابري أنا سعيد بأن صديقي الأعرجي أشار في مقالته بأن طرابيشي لم يكن الوحيد في نقده لهذا المشروع الجابري. بل هو لم يكن الأول. فأنا سبقته إلى ذلك بسنوات. ولكني لم أجمع مقالاتي النقدية حول الجابري في كتاب. على أن المهم أنني في نقدي للجابري حاولت معالجة مسألة العقل بطريقة جديدة ومغايرة، من غير وجه، وذلك في ضوء تطور المعارف وانفجار العقلانيات الحديثة كما تشهد على ذلك مصائرها.
ـ الأول: أنه لا مجال للفصل بين العقل واللاعقل، على ما توهم ديكارت والمحدثون. فالعقل لا ينفك عن لا معقولاته، إذ هي قاعه ومادته التي يتغذى منها ويشتغل عليها لتصيير اللامعقول معقولاً، أو لإجراء تسوية بين العقل والهوى أو بين المعنى والقوة. ومن يعتقد أن بمقدوره التحرر من أهوائه أو تصفية معقولاته لا يحسن سوى تلغيم عقله.
ـ الثاني: أن التراث الإسلامي ينطوي على العقل والنقل. هذه حال كل الفرق والطوائف، حيث يتمفصل العقل البياني أو البرهاني مع اللامعقول النبوي أو العرفاني، سواء لدى السنة أو الشيعة أو المتصوفة. وهذا شأن جميع التراثات. بل هذا شأن الفكر والوعي: فيه من المعقول بقدر ما فيه من اللامعقول. ولذا نحن ننظر في ما لا يُعقل لا لنفيه، بل لكي نفهم عقلنا ونعيد ترتيب علاقتنا بفكرنا.
ـ الثالث: أن أزمة العقل العربي ليست ناتجة عن صلته بالخارج، أي لا تعود إلى غزوه من جانب للامعقول الهرمسي أو الإشراقي. فلم تكن عقولنا صافية أو خالصة من شوائب الخرافة والوهم واللامعقول، ثم جاء العجم والغرباء لكي يفسدوها أو يعملوا على تخريبها. إن أزمة العقل العربي، بحسب نقد النص، هي مع نفسه، لأن اللامعقول يشكل باطن العقل وحياته السرية. ولذا فالنقد ينصب على ما تستبطنه أو تنبني عليه الأنساق المعرفية والصيغ العقلانية من الأوهام والأصنام أو من الخرافات والأساطير.
ـ الرابع: إن ابن سينا ليس ممثلاً للعقل أو للعقل المستقيل. بالعكس إنه ممثل للثقافة العربية والإسلامية بمختلف وجوهها ومستوياتها، بقدر ما يؤلف على نحو خلاق بين المنطق والذوق، أو بين الحدس والاستدلال، أو بين العلم والفلسفة. ولو أخذنا ابن عربي مثالاً آخر، نجد أن من الخداع أو السذاجة أن نصنفه تحت خانة العقل المستقيل. فوراء المنطوق العرفاني الظاهر ثمة نتاج عقلي هو هذه الترسانة المفهومية التي ابتكرها ابن عربي في ما ألف وكتب والتي تنم عن عقلانية مرنة وواسعة.
وهكذا لا مجال للفصل الحاسم بين العقل واللاعقل، لا في الثقافة العربية ولا في أي ثقافة أخرى.
ثمة أنماط من المعقولية يتمفصل فيها العقل واللامعقول وفقاً لأشكال مختلفة. ففي علم الكلام تستخدم إستراتيجية العقل البرهاني للدفاع عن الوحي النبوي. وفي الفلسفة نجد أن الأساس هو عقلي برهاني في حين أن الممارسة الفكرية تؤول الى اللامعقول بقدر ما تقوم على تأليه العقل. وفي التصوّف تشكلت معقولية جديدة من خلال الانفتاح على الهوى والذوق وكسر منطق الهوية والمماثلة. هذا ما قام به ابن عربي بعقلانيته المحايثة والرحبة، المركبة والمتحركة، من هنا قولي إن مثل الجابري في اتهامه ابن عربي بأنه عقلاني، كمن أتى بطربوش لكي يضعه على رأس رجل، فوجده صغيراً، وبدلاً من أن يقر بعدم صلاحه، قال بأن رأس الرجل هو الذي لا يصلح. والمغزى من ذلك أن نقد النقد يحملنا على تجاوز منطق المحاكمة والإدانة في التعامل مع نتاجات الفكر، انطلاقاً من صيغ ومفاهيم وقيم جاهزة ومسبقة عن العقلانية. فالنقد المثمر يقرأ المعطى، لكي يعيد صياغة العلاقة بين العقل ولا معقولاته، عبر مفاهيمنا للعقل والنص أو للمعنى والحقيقة أو للفكر والواقع.
هذه منطقة جديدة لعمل الفكر قد افتتحت عبر نقد الحداثة، وتشكلت مع انفجار الطفرات المعرفية وانبثاق الميادين العلمية التي شهدتها الفلسفة وعلوم الإنسان، سواء مع نيتشه، أو مع الألسنية، أو مع الحركة البنيوية، أو مع فلاسفة الاختلاف، أو مع مناهج الحفر والتفكيك.
ولا أعتقد أن طرابيشي دخل إلى هذه المنطقة في تناوله النقدي للجابري أو في مفاهيمه للعقل والنقد. ربما وقف على تخومها. مما يعني أن كلامه على نقد النقد هو كلام خادع بقدر ما هو ساذج. ولذا ليست المسألة في أن طرابيشي قام بجهد ضائع، كما قال أدونيس، وإنما تكمن في أن كلامه على نظرية العقل ونقد النقد يشكل خطاباً هو أقل أو أضعف مما يقوله أو يدعيه.
في أي حال لا أعد طرابيشي مفكراً منتجاً للأفكار على غرار الجابري أو أركون أو العروي. فهو عارض جيد لأفكار سواه أو يتبنى أفكار سواه من غير اعتراف أو إحالة. وهو عبارة عن كشكول فكري، وأعني بذلك عجزه عن صوغ قضية أو طرح إشكالية أو استثمار منهج. والأعرجي قد أدرك ذلك بقوله في مقالته المذكورة: "القارئ لا يكاد يتبيّن بوضوح موقف طرابيشي من القضية الأساسية التي يدور حولها البحث، ألا وهي قضية التراث، بالأحرى فإن الذي يستنتجه القارئ أن طرابيشي ينحو إلى إلقاء التراث في سلة المهملات".
ولذا أعتبر أن كتابات طرابيشي عن الجابري هي ردة فعل لا توازي الفعل نفسه، كما بينت في كتابي: "نحو منطق تحويلي". كما أذهب الآن إلى أن نقاشاته مع الجابري هي أقرب إلى الجدل الكاذب (Faux Debat). من هنا فإن الكلام على إنزال طرابيشي للجابري عن عرشه، كما يصف المعركة بينهما صديقي صقر أبو فخر، ينطوي على قدر من التهويل، بقدر ما ينطوي الكلام على العرش الذي استوى عليه الجابري على قدر كبير من التهويم.

محمد صغير نبيل

المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 15/03/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى