علي حرب: التفكيك والتشكيكفي (لعبة المعنى) حسين السلطاني من جريدة الاتحاد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

علي حرب: التفكيك والتشكيكفي (لعبة المعنى) حسين السلطاني من جريدة الاتحاد

مُساهمة  محمد صغير نبيل في الأربعاء مارس 16, 2011 12:39 pm

حسين السلطاني
يعد المفكر علي حرب واحدا من المفكرين الذين يسعون لموضعة الفكر العربي تموضعا جديدا، اذ ما انفك يحاول مساءلة الثابت والقار والمقدس في متون الثقافة العربية، وممارسة ذلك الضرب من الزحزحة لجدار المفاهيم السائدة، واقامة حقل جديد من التصورات لوضع هذا الفكر في مناخ مختلف وقادر على الاسهام في انتاج فكر بوسعه التعاطي مع مشكلات فكرية بعينها، وكان ذلك جليا منذ صدور كتابه "التأويل والحقيقة ــ 1985" مرورا بكتبه الاخرى "مداخلات ــ 1985" "الحب والفناء ــ 1990" وليس انتهاء بكتابه "لعبة المعنى ــ فصول في نقد الانسان" والذي نحن بصدده الان.



ففي كتابه هذا يقدم مقالات متفرقة يعبر عنها بالقول انها (آراء واقوال) او هي (حدوس والتماعات) او هي (اذواق ومواجيد) وهذا يعني انه يسعى لرصد تحولاته الفكرية بالاستفاد الى تجربته الصاخبة والمريرة "كذا" التي صنعها وتشكل في اتونها، وها هنا تتلاشى الحدود بين الذات والموضوع، فالذات تنفرد بقوة التحولات.. التحولات التي اصابت جوهر الموضوع من خلال اعادة النظر في البديهيات والمسلمات ونقد المصطلحات والمفهومات، وبذلك يتأول معنى الوجود تأولا جديدا، ويعقل ما لم يكن ممكنا عقله، أي انه يعيد تعريف الاشياء ويتعرف في الوقت نفسه الى ذاته من جديد كما عبر عن ذلك في كتابه (لعبة المعنى).
ان علي حرب يعتقد ــ كما يعتقد غيره من المفكرين ــ بان الفكر العربي الراهن يمر بمأزق حاد، وهذا المأزق هو ما دعاه الى اعادة التعريف بالاشياء الامر الذي يتطلب معرفة الانسان، وبالتالي نقد هذا الانسان كونه مركز الاشياء، أي نقد المنزع التشبيهي، والميل الانسانسي، والنرجسية الانسانية، وبالتالي كل ما يمارسه الانسان ويصنعه، لغته، رموزه، مصطلحاته، مفهوماته، تصوراته ومعتقداته، طقوسه وخرافاته، اهواءه ولعبه، قواه وستراتيجياته، فجميع هذه المجالات ينصب عليها عمل النقد والتحليل.
لا يخفي علي حرب في كتابه هذا انشغاله بالرؤية الصوفية للعالم، ويعتقد ان هذه الرؤية تمثل مرجعا لقراءة الواقع في ضوئه، دون ان يخفي نزعة ملحة لأعادة الموقف الصوفي وتجديده على ضوء منجزات الثورة المعرفية، وهنا تريد هذه المداخلة ان تسجل تقاطعا مع هذا المنطلق، بوصف الرؤية الصوفية تمثل منظارا ذاتيا يستند الى كمية غير قليلة من الشعرية والتأمل والحدس، والرؤية من هذه الزاوية تقدم اضاءات جماعية اكثر منها تصورات معرفية قادرة على زحزحة المشكلات بادوات الوجد الصوفي.
يتخذ المؤلف من آليتي التشكيك والتفكيك مجالا لمجابهة المشكلات التي تصدى لها، فهو يعتقد ان الشك هو بداية العلم، ومن لا يشك لا يتيقن، بل يرى ان الشك هو منتهى العلم، منوها الى التجربة السقراطية في هذا المجال، معترفا بعجز الفكر لبلوغ الحقيقة واكتناه اسرار الاشياء، ومعرفة اصولها، وكأن الشيء يغيب بقدر ما يحضر والموجود يتناسى بقدر ما يعرف، وهذا الموقف اراد اضفاء طابع النسبية على كل الحقائق مهما كانت، وهكذا تقف جميع مواقفه بالضد من القطع والبت، بيد ان هذا الميل لعدم التمركز حول مجال الحقيقة مهما كان محدودا ونسبيا افرغ تحليلات هذا الكتاب من ذلك الضرب الذي ندعوه بتفاؤل المعرفة، بما تسبب بسيادة نزعة تشاؤمية تتخفى خلف الاعتراض والتشكيك، وهذا يعكس حجم الايمان المفرط بطغيان النزعة الذاتية في رصد ما هو موضوعي مرتبط بالذات.
يبدي علي حرب في كتابه هذا دفاعا باسلا عن نسبية الحقيقة وكذلك المعنى ويرى ان للحقيقة أي حقيقة ــ وجهها الاخر، وان للمعنى اختلافاته وتنازعه، وان للاقوال تنازعاتها وفجواتها، وهو بذلك يمارس ما يشبه التعطيل لتوصلات المعرفة، تلك التوصلات التي تتعالى على الركون لأي معتقد جازم، دون ان تنسى حيازتها لحقيقة من نوع آخر هي حقيقة التوصل المعرفي، وهذا ما جعل من كتابه هذا عرضة لتأثيرات الشك والتشاؤم بوصفهما واحدة من آليات الكشف عنده، صحيح ان النموذج العقائدي ــ كما يذهب هو ــ يعمل على عسكرة الفكر، متخذا من العقائد والمذاهب والنصوص متاريس لشن الحرب على الآخر ــ المختلف ــ، من هنا يبدو اندفاعه مبررا لأعادة تشكيل الحقيقة ثم المعنى، وبالتالي فان منهجه يتسم بمناهضة الفكر المنغلق وامبريالية المعنى، فالمؤلف هنا يناهض الاستبداد السياسي، والطغيان الجمعي، والانضباط الفاشي والنرجسية العقائدية.
ان التفكيك الذي يعمد المؤلف لمواصلته يستمد مشروعيته من انهيار القيم، وضياع المعنى، وخراب الروح، انه يريد ان يقدم قراءة من المأزق الانساني، وكشف البراقع عن ممارسة الزيف والخداع والتستر على اغتيال القيم وانتهاك الحقوق وتخريب المعنى من خلال منازعات استبدادية ومشاريع كليانية وستراتيجيات سلطوية، فالتفكيك الذي يدافع عنه علي حرب هو تفكيك من اجل ايجاد منظار قادر على التمييز بين الخير والشر، والمشروع واللامشروع، والسوي والشاذ، فهو قراءة جديدة للاشياء، يحاول من خلالها ادراك الواقع وفهم الظاهرة من اجل فكر اشد اصابة، ورؤية اكثر رحابة، ومعنى اكثر اتساع، وهوية اقل تعقيد واكثر اختلاف، انها قراءة تلتفت الى ما يستبعده الخطاب وينفيه النص ويحجبه القول، انها قراءة تذهب صوب ما يسميه محمد اركون (المسكوت عنه، او المستحيل التفكير فيه)، انها قراءة في الممكن والضد واللامعقول واللامتوقع وحتى الممتنع، عندها سينظر الى المعاني بوصفها تشكيلات خطابية مختلفة، وللعقائد بوصفها اشكالا للحقيقة متقابلة، والى الثقافات بوصفها انماطا لوجود، وبذلك يكون التفكيك نأيا بالمعنى عن الموت ليصير قراءة في مأزقه ومحنته.

*علي حرب، لعبة المعنى ــ فصول في نقد الانسان/ المركز الثقافي العربي/بيروت

محمد صغير نبيل

المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 15/03/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى