علي حرب وبؤس التفكيك العربي إلي ماذا يؤول نقد النقد؟ مجدي ممدوح

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

علي حرب وبؤس التفكيك العربي إلي ماذا يؤول نقد النقد؟ مجدي ممدوح

مُساهمة  محمد صغير نبيل في الأربعاء مارس 16, 2011 12:35 pm

علي حرب وبؤس التفكيك العربي

02/12/2010

إلي ماذا يؤول نقد النقد؟

مجدي ممدوح

إذا كان علي حرب يحلو له دائما الترديد بلا كلل أو ملل أن الغاية من النقد (نقده هو) هي “فضح الألاعيب” “وهتك الحجب” “والنفاذ إلي ما وراء الكلمات” والكشف عن “طمس الحقيقة” “وكشف النزعة المركزية المتخفية “فإننا سنقوم بإجراء مماثل في تفكيك نصوصه (باعتبار أنها نصوص نقدية) والعمل علي تطبيق كل الآليات السابقة (التي يطبقها هو علي نصوص الآخرين) علي نصوصه (النقدية).

والحقيقة أن نصوص علي حرب “التفكيكية” تعتبر نموذجاً واضحاً للنسخة العربية في التفكيك. وتعطينا تصورا في غاية الوضوح للطريقة المسطحة والاختزالية التي يتم وفقها نقل النماذج والمناهج النقدية الغربية وتطبيقها بشكل قسري وتعسفي وبأسلوب تجزيئي انتقائي لا يتوافر علي أدني شروط النقد من حيث الشمولية والفهم المعمق للنص، وكشف العناصر المهيمنة داخل النص، ولأن التفكيك كممارسة نقدية لا زال في أطواره الأولي في ثقافتنا العربية. فإن الممارسات التفكيكية الأولي في ثقافتنا سوف تتخذ طابع الريادة، وهذا برأيي في غاية الخطورة، فمن المحبط حقاً أن يبدأ رواد التفكيك بتقديم نسخة مشوهة من خلال ممارسات نقدية أكثر مغالطة وتشويهاً لتيار نقدي عظيم مثل التيار التفكيكي.

في مقدمة كتابة “نقد النص” يذكر علي حرب أن الطبعة الأولي من الكتاب نفذت بسرعة (غير متوقعة). والحقيقة أن هذا يؤشر لاهتمام القارئ العربي بالنقد التفكيكي بوصفه ممارسة نقدية جديدة علي القارئ العربي، وهنا يأتي كتاب علي حرب “نقد النص” ليزود القارئ ودارسي النقد الحديث بالإستراتيجيات والآليات المتبعة في “النقد التفكيكي” ومشاهدة ومعاينة هذه الآليات وهي في حالة اشتغال علي النصوص ، هذه المسألة كان لها دون شك دور كبير في رواج هذا الكتاب والإقبال عليه، والأمر الثاني الذي ساعد علي رواج الكتاب هو الانطباع الخادع والمضلل الذي يخلقه علي حرب لدي القارئ عن سهولة الممارسة التفكيكية للنصوص، مما شكل إغراء لا يقاوم للكثير من القراء والمشتغلين بالنقد لاقتباس هذه الآليات واستعمالها بسهولة علي النصوص، ولقد توهم البعض أن التفكيك هو ممارسة نمطية وسهلة فما علي الناقد التفكيكي سوي اللجوء إلي مغالطة الكاتب ومهاجمة مبدع النص وعكس القصد من مراده بدعوي أنّه يظهر عكس ما يبطن فإذا كان يتكلم عن العقل مثلاً فما عليك سوي أن تكشف عن نزوعه الأسطوري المتخفي وراء هذا الخطاب، وإذا كان يتكلم عن العقل المحض فما عليك سوي الكشف عن ما يخفيه من الحدس، والعقل التوحيدي يخفي وراءه النزوع الوثني والجاهلي، وأرجو أن لا يفهم البعض أنني أحاول إلصاق التهم بعلي حرب جزافاً فباستطاعتهم الرجوع إلي مقدمة الكتاب (ص9) وسيجدوا أكثر من ذلك.

وعلي حرب يعتبر بحق تلميذ مجتهد في مدرسة التفكيك، علينا الاعتراف بذلك فهو يحفظ عن ظهر قلب كافة المصطلحات التفكيكية وهي حاضرة في ذهنه علي الدوام وماثلة أمامه أثناء قراءته لأي كتاب (أو جزء من كتاب علي الأرجح) كما أنه يحفظ عن ظهر قلب كافة المقولات التفكيكية التي أبدعها دريدا وأقطاب التفكيك الآخرين، وغالباً ما تكون هذه المقولات مختصرة ومركزة وموحية مما يسهل عليه حفظها واختزانها في ذاكرته وإبرازها عندما يكون المقام مناسباً، وهو يفعل ذلك بطريقة استفزازية وبطريقة توحي بالثقة وكأنه يشهر بطاقة حمراء في وجه الكاتب موضوع النقد, وهو يحتفظ بعدد كبير من هذه البطاقات الحمراء، خذ مثلاً: (الخطاب حجاب) (النص لم يعد مجرد أداة للمعرفة) “النص أصبح ميداناً للمعرفة “النص لا يحيل إلي خارجه ولا إلي مؤلفه” “النص له كينونته المستقلة” “النص ليس بما يقوله بل بما يسكت عنه” “عدم الاهتمام بالطروحات والمضامين في النص بل بزلاته وأعراضه، ببداهاته المحتجبة ولغوناته الصامتة” النزعة المركزية المتخفية في الخطاب”، “النزعة الاصطفائية المتخفية”، ونقد علي حرب علي العموم يقوم بمجمله علي إخراج كل أو بعض هذه البطاقات الحمراء بوجه الكتاب سواء كان ذلك بالتوقيت الصحيح أو نصف الصحيح أو التوقيت الخطأ أحياناً، ويعمد علي حرب إلي إسقاط بعض آليات التفكيك علي بعض النصوص دون أن يكون هناك أي مجال لتطبيق هذه الآلية, وهو لا يحفل كثيراً بذلك بل يلجأ إلي إعادة صياغة النص الأصلي بإضافة كلمة هنا أو هناك ثم يقوم بعد ذلك بأسلوب تعسفي إلي سحب النص الأصلي إلي منطقة أخري حتي يصبح بمقدوره تطبيق هذه الآلية عليه، ولكن كل هذه الحيل يمكن كشفها بالرجوع إلي متون النصوص الأصلية وسوف نري بكثير من الاستغراب أن النص الأصلي لم يقل شيئاً من هذا القبيل ، وعلي حرب يلجأ إلي إيراد الغطاء النظري التفكيكي وبكثافة عالية أثناء الممارسة التفكيكية ولا تكاد صفحة واحدة من نصوصه تخلو من التنظير (البطاقات الحمراء) وهو طبعاً يدرك نقطة الضعف هذه في نصوصه ويعمد إلي الاعتذار من القارئ (كإجراء استباقي) ويخبره أن كل هذا يعتبر ضروري ، ولكي أثبت لعلي حرب أن هذا ليس ضرورياً فإن بإمكانه الرجوع إلي النصوص النقدية التي أبدعها بارت وبلوم وكريستيفا وحتي دريدا نفسه فلن نجد ولو جزء بسيط من هذا الحشد الهائل من التنظير. وإذا كان علي حرب يمتلك بطاقة حمراء اسمها (إغراق القارئ وصدمة بترسانته المفهومية) يستخدمها بلا رحمة ضد أعلام الفكر (محمد أركون مثلاً) فإن علي حرب هو الآخر لا يتواني عن مواجهة القارئ بهذه الترسانة المفهومية والتي هي ترسانة دريدا في الأغلب.

في معرض نقده للجابري (ولا أستطيع التأكيد أنه قرأ الجابري) بالفعل فهو لا ينقد أكثر من العناوين وهذا مريب حقاً “يعترض علي حرب بقوة علي مصطلحات الجابري الثلاث ، العقل البياني، العقل البرهاني والعقل ألعرفاني. (لاحظ أن هذه المصطلحات يعرفها حتي من لم يقرأ الجابري). ويزعم أن هذا الخطاب (يقصد التقسيم) فيه نزعة اصطفائية, أي نزعة عربية مركزية باعتبار أن الجابري يزعم أن العرفان هو عنصر دخيل علي الفكر العربي جاءه من الغنوص اليوناني والإشراق الفارسي والتصوف الهندي (ومن الملاحظ أن علي حرب أشهر هذه البطاقة الحمراء بوجه محمد أركون أيضاَ واتهمه بشكل مماثل بأن خطابه ينطلق من نزعة عربية اصطفائية), ولا أدري لماذا فهم علي حرب أن مصطلح البيان الذي ألصقه الجابري بالعرب قد جاء في مقام المدح والتقريظ للظاهرة البيانية العربية، مع أن كل الدارسين للجابري أجمعوا عكس ذلك، إنّ أي دارس لنتاج الجابري الفلسفي يستنتج بوضوح أن الجابري عمد إلي تقويض أسس العقل العربي وألصق كل ما هو سلبي وبياني (لا عقلاني) به، وهو بالتأكيد يعمد إلي تمجيد أبا الوليد ابن رشد ليجعل منه رأس جسر يوصلنا بشكل مباشر بالحداثة الغربية والعقل الغربي الذي يعتبره العقل الحقيقي، وكأن الحقبة الإسلامية بكاملها لم تحدث أو أنها لم تقدم جديدا في صيرورة الفكر الفسلفي، وعلينا أن لا ننسي أن ابن رشد برأي الجابري لا يعدو كونه ناقلاً للفكر الأرسطي وبذلك تكون هناك صيرورة تاريخية مستمر للعقل الغربي من اليونان ثم ابن رشد كوعاء ناقل ثم عصر النهضة الأوروبي، أين هي النزعة المركزية العربية عند الجابري التي يتكلم عنها علي حرب.

من الواضح أنها إحدي البطاقات الحمراء التي أخرجها علي حرب بوجه الجابري دون توقيت مناسب ولدعاوي افتراضية لا توجد إلا في عقل علي حرب، إنه تطبيق ساذج وسطحي لتقنيات التفكيك، وربما يستطيع علي حرب محاججتنا أنه الوحيد الذي استطاع أن يكشف الحجب عن خطاب الجابري ويكشف عن “النزعة المركزية العربية” المتخفية باعتبار أنه التفكيكي الوحيد بين كل النقاد الذين درسوا الجابري، وفي هذا الخصوص أحيله إلي عرّاب التفكيك دريدا ولا أعتقد أن علي حرب يستطيع الادعاء بأن دريدا ليس تفكيكيا، لقد ظل دريدا يهاجم الخطاب البياني (الشعري) ويسمه بأنه خطاب لا عقلاني ولا تأملي، لأن الخطاب البياني لا قيمة له خارج اللغة، بمعني أنه لا يحيل إلي أي مدلول واقعي وموضوعي في العالم الخارجي, وهو أشبه بالعملة الورقية عديمة التغطية ويصرح دريدا بكل وضوح أن الميتافيزيقي لا يوجد إلا في قلب الاستعاري (Metaphoria) ولطالما كان المجاز اللغوي والاستعارة هو المولد الدائم للميتافيزيقا التي ظلت تتخفي في ثنايا العقل الغربي. إذن الجابري يعتبر من منظور تفكيكي ناقداً ومعرّياً للعقل البياني العربي وليس كما يدعي علي حرب بأنه يعطيه الأولوية والمركزية والاصطفائية، وعلينا الانتباه أن مصطلح العقل البياني الذي صاغه الجابري هو مفهوم نقدي سلبي باتفاق الجميع وبمباركة دريدا فكيف يجرؤ علي حرب علي التجاوز علي وعي القراء والدارسين بهذا الزعم, ما هكذا تورد الإبل ايها التفكيكي العتيد، بل أن علي حرب لا يكتفي بهذا النقد والهجوم علي الجابري بل أنه يتمادي في توجيه اللوم والتقريع للجابري والردح المستمر له وكأن علي حرب قد امتلك عصا موسي، حيث نراه يعمد إلي الاستمرار في هجومه الإنشائي الساذج بعد أن اطمأن وتوهم أنه أسقط الجابري بالضربة القاضية فيقول (ومثل الجابري بذلك مثل أولئك العرب الذين يعزون أسباب ضعفهم وفشلهم ومصائبهم إلي الغير, أي إلي الغرب المستعمر أو مثل الإسلاميين الذين يؤمنون بصفاء الثقافة الإسلامية ويدعون إلي تنقيتها من الأفكار الدخيلة أو المستوردة من جهة اليونان، (نجد أنفسنا بإزاء نفس العقلية الاصفائية التي تعتبر أن مصيبة العقل العربي أو الإسلامي أتت من خارجه), مرة أخري نقول له أنه يتكلم عن شخص آخر غير الجابري وهو يعلم كما نعلم تماماً أن كل هذه الأوصاف لا تنطبق علي الجابري، والحقيقة أن علي حرب يستمر علي هذا المنوال في تضليل القارئ (المتعطش لتعلم التفكيك) وجرّه إلي المناطق الأثيرة لديه، أي المناطق التي يبرع فيها، وهو كمن يحدثنا قليلا عن الفول في التمهيد لحديثه المطول عن الفيل مستثمرا التشابه اللفظي بين الفول والفيل.

هناك مقاربات نقدية لمشروع الجابري استطاعت أن تنفذ إلي أعماق الخطاب وآليات الفحص التي اتبعها الجابري مثل مقاربة جورج طرابيشي النافذة ومقاربة هشام غصيب والعراقي حسام الألوسي وهي مقاربات منهجية معمقة تبتعد عن أسلوب علي حرب في المناكفة والتعسف.

إن من يرجع إلي كتاب علي حرب السابق يستنتج أن نقده للجابري المعمم والمضبب يعود ليكرره وبنفس النمطية علي مشروع محمد أركون ومشروع حسن حنفي ناعتاً إياهم بنفس النعوت قاذفاًَ بوجههم نفس التهم ومشهراً بوجههم نفس البطاقات الحمراء.


محمد صغير نبيل

المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 15/03/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى