رواج التفكيكية في التجربة النقدية المعاصرة "عرض ونقد" د.بشير تاوريريت- باحث من الجزائر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رواج التفكيكية في التجربة النقدية المعاصرة "عرض ونقد" د.بشير تاوريريت- باحث من الجزائر

مُساهمة  محمد صغير نبيل في الثلاثاء مارس 15, 2011 5:06 pm

رواج التفكيكية
في التجربة النقدية المعاصرة "عرض ونقد"


د.بشير
تاوريريت- باحث منالجزائر


ملخص:‏


يقف القارئ في هذه الدراسة النقدية عند جل الكتابات النظرية والإجرائية التي
اتّخذت من استراتيجية التفكيك دعامة منهجية في التأسيس
لمقولات نقدية، تستهدف تقويض النص الأدبي من الداخل وخلخلة بنائه الهرمي
لاستكشاف دلالاته الهاربة والمختفية تحت ستائر إشارته الغامضة والعائمة، حيث تحوّلت
هذه الدراسة إلى مسح شامل مسّ بأصابعه الناعمة جل الإسهامات الغربية والعربية.‏


وقدجرى التركيز في هذه الصفحات على كتابات: جاك دريدا ورولان بارث وبول ديمان
وهارولدبلوم وهيلر وهارثمان. أما على صعيد النقد
العربي المعاصر فقد احتفت هذه الدراسةبتجربة الناقد السعودي عبد الله محمد
الغذامي والناقد الجزائري عبد الملك مرتاض ومندون إغفال تجارب نقدية تفكيكية أخرى حظيت
بأهمية أقل كتجربة بسام قطوس وعبد اللهإبراهيم وآخرين. ولم تكن هذه الدراسة مجرّد
عرض أو سرد ممل لتلك المحاولات، وإنماكانت محفوفة ومتوّجة بروح نقدية استهدفنا
فيها تصريحات واعترافات أولئك النقادبأزمة أو قصور المقاربة التفكيكية مشيرين في
الوقت نفسه إلى بعض الاقتراحات الجديدةالتي بإمكانها تخطي أزمة النقد التفكيكي
والحلم بمستقبل نقدي واعد.‏


1 ـفي كتابات النقاد الغربيين‏


تمثلفرنسا المهد الأول للتفكيك، والذي انتقل إلى أمريكا عبر رحلة قادها دريدا
الذي ألقىمحاضراته في جامعة بيل وجونز هوبكنز، هذه
الأخيرة التي شهدت ميلاد المؤتمر الأولللتفكيك عام 1966 لتسود بذلك التفكيكية
الساحة النقدية الأمريكية في السبعينات،ويتأثّر بها العديد من المؤلفين والنقاد
"لتهيمن بذلك أفكار دريدا على الساحةالأدبية وخاصة على النقاد الرومنسيين
والناقمين على موجة النقد الجديد"(1) لاسيماأن الدراسات التفكيكية قد أعادت الشك في
العملية النقدية لتعود إلى الذات الكانطيةعودة نسبية وهذا لا يمنع وجود معارضين مثل
التفكيك صدمة لهم.‏


ويأتيالناقد الفرنسي (R.Barthes) رولان بارث في طليعة النقاد التفكيكيين وإن
عرفت آراؤهتقلباً واضحاً على ضفاف مناهج عدة، وأفضل ما
يمثل مرحلة بارث التفكيكية مقاله عن ـموت المؤلف ـ عام 1968. وقد توجه في كتابه
(الكتابة في الدرجة الصفر) سنة 1953 نحوفك أغلال الكلمة لتنطلق حرّة حتى تصل إلى
درجة اللامعنى، وتناول في كتابه (S/Z) الذي صدر عام 1970 وهو عبارة عن دراسة
لرواية قصيرة غير مشهورة وقد "قسمها إلى (561) وحدة قرائية وضمنها كتابه الذي بلغ 200 صفحة
ونيف، وكان هذا الكتاب هو العملالذي اشتهر به "بارث خارج
فرنسا"(2).‏


وتحدثفي كتابه لذة النص (1973) "عن النص باعتباره تفكيكاً للأسماء وفيه فرق
بين المتعةواللذة"(3). ومثل دريدا طالب الفلسفة
"ذو الأصل الجزائري"(4) الجسر المتوهج بينالمدرستين الفرنسية والأمريكية من خلال ذخيرة متميزة أخذت منها معظم
الدراساتالحديثة التي تلت الاستراتيجية. وتليها
مقالات نشرها عام 1967 رسمت ثلاثيتهالمشهورة "في الكتابة"،
"تناول فيها الطريقة التي يعطي فيها من يكتبون عن اللغةميزة للكلام على الكتابة، ويخص عمله بالعالمين دي سوسير وجون جاك
روسو"(5) وكتابه ـالكتابة والإختلاف ـ قسمه إلى قسمين، أدرج
في جزئه الأول رسالة حول مفردة ومفهومالتفكيك ومقالة في اللغة أما قسمه الثاني
احتوى خمس دراسات فكرية منها مسرح القسوةوالقوة والدلالة ونهاية الكتاب وبداية
الكتابة"(6) وفي عام 1972 نشر ثلاثة كتب أخرىوهي: حواشي الفلسفة ضمن عشر مقالات
"أهمها الاختلاف Qusia et gramnier, La
différance " وتتناول بحث هايدغر عن ميتافيزيقيا الحضور.. وأخرى عن نظرية هيغل فيالرمز وعن مكانة الإنسانية في كتابات هيدجر وغيرها"(7) ثم كتابه
"الانتشار"، ضمّبدوره ثلاث مقالات "طول كل منها 100
صفحة تناول التأثيرات اللغوية التي لا تخضعللتحديد الفكري ولا يمكن اختزالها إلى مفهوم
واضح"(Cool ثالث هذه الكتب هو كتاب "مواقف" يضم النصوص المكتوبة لثلاث
مقابلات: المقابلة الأولى تعليق على أعمال دريداعام (1967)، أما الثانية فقد تضمنت حديثاً
موجزاً عن نظرية الرمز، ونقد دريدا لهافي حين المقابلة الثالثة تضم شرحاً
للتفكيكية حول مواضيع عديدة أخرى عن التاريخوالماركسية وجاك لاكارن". كما كتب
كتاباً آخر عنوانه "Clas" وله كتب عديدة.‏


لقدخلفت كتابات دريدا تأثيراً واسعاً في الجامعات الأمريكية خاصة مجموعة نقاد
بيل "Yale"، فمثلت كتابات بول دي
مان ـ مناصر التفكيك الأول ـ الأرضية الصلبة التيانطلقت منها انتقادات النقاد الجدد خاصة من
خلال كتابه "العمى والبصيرة" الذي صدرعام 1971 ويرى فيه دي مان "أن النقاد
يصلون إلى البصيرة النقدية من خلال العمىالنقدي(9).‏


لقدمثلت الاختلافات بين النقاد الحاجز الذي يحيل بينهم وبين الوصول إلى الهدف
وهو مااصطلح عليه دي مان "بالتقابل الجدلي
بين النص والمفسر"(10) ثم يفرق في كتابه هذابين الفلسفة والأدب، حيث "تنظر الفلسفة
للأدب على أنه خيال محض"(11). ويذهب فيكتابه "أمثولات القراءة" 1979،
إلى نمط بلاغي من التفكيك كان بدأه في كتابه الأولفالقراءة دائماً إساءة للقراءة بالضرورة؛
لأن المجاز Topes يتداخل حتماً بين النصوصالنقدية والأدبية، والكتابة النقدية تتطابق أساساً مع المجاز الأدبي الذي نطلق
عليهالأمثولة Allegory"(12).‏


وكانهارولد بلوم مرافقاً للرومانسية مما جعل تأثره سريعاً بالتفكيك وكان كتابه
الأوليخص أعمال شيللي (1959) بعنوان "صناعة
الأسطورة عند شيللي"(13) وله كتاب "قلقالتأثير" 1973 وقد تحدث فيه عن عقدة
التوتر الناتجة عن السلف، أوضح أن الشاعرالغربي يمتلك الشجاعة بالاعتراف بتأخره إزاء
التقاليد التي ورثها"(14).‏


هذاوقد ألف كتاباً بعنوان "القبلانية والنقد" (والنصوص العبرانية
التي تكشف المعانيالباطنة في العهد القديم) هي معنى القبلانية
"يعتقد بلوم أن الصيغة التي وضعهاإسحاق لوريا في القرن السادس عشر للصوفية
القبلانية، هي نموذج مثالي للطريقة التيكان يراجع بها شعراء اللاهوت الشعراء
السابقين في شعر ما بعد النهضة"(15).‏


وكانكتابه الشعر والكبح عام 1976 يعني بشعر ما بعد الرومنسية، والكبح بالنسبة
له بمثابةمعاني التكرار أو البراءة الطبيعية
المعتادة، وهنا يشير بلوم إلى ضرورة وجوبالتعامل مع النص من خلال علاقته بالنصوص
السابقة. وتحدث جيفري هارتمان "عن الفرقبين الكتابة النقدية الإبداعية ومجرد
الكتابة النقدية في مقاله المفسر للتحليلالذاتي"(16) ويذهب إلى ما ينتهي إليه
دريدا إلى أن "النصوص مختلفة دائماً بسببالتقاليد التي تحكمها والتخلص من هذه العقدة
لا يكون إلا بدخول الناقد في قلب لبالمعاني"(17) كانت هذه آراء هارتمان من
خلال كتابه المتميز "قدر القراءة" 1975، وإنكان له كتاب سابق نشره عام 1970 عنونه بـ"ما وراء الشكلية"
وكتابه الأخير نشره سنة 1980 تحت عنوان "النقد في البرية".‏


أماهيللر "ناقد مدرسة جنيف جعل من اللعب باللغة طريقة في التعامل مع
التفكيك"(18) وركزعلى تفكيك القص خصوصاً من خلال كتابه
"القص والتكرار" عام 1972" الذي يضم سبعروايات بدأ بالبحث عن تشارلز ديكنز عام 1970 تحدث فيه عن نظرية جاكسون عن
الاستعارةوالكناية"(19). هذا هو المسار العام
لشطحات النقاد التفكيكيين في الساحة النقديةالغربية صرحاً عظيماً، فكيف استقبل نقادنا
العرب هذه الاستراتيجية؟.‏


2 ـفي كتابات النقاد العرب:‏


توجهتالحركة النقدية العربية في معظمها إلى استقبال المناهج الألسنية باختلافها
فكانلهذه الأخيرة الصدى الواسع في نفوس
المتتبعين للحركة الثقافية العربية علىالعموم. فتناولوها في كتاباتهم ولمعت أسماء عدّة في
أوساطهم، ولعل رواج التفكيكية فيالتجربة النقدية العربية كان بسبب انتشار
الترجمات العديدة لمؤلفات الرواد أمثالرولان بارث وجاك دريدا، وقد ساعد ذلك على
انتشار التفكيك في الساحة النقديةالعربية.‏


ويجمعمعظم الدارسين أن "أول دراسة تفكيكية تعود إلى سنة 1985"(20)،
وهي محاولة عبد اللهمحمد الغذامي في كتابه "الخطيئة
والتكفير" إذ تناول في قسمه الأول المناهج النقديةالألسنية وشاعرية النص ومصطلح تداخل النصوص وما إلى ذلك من المفاهيم في حين
خصصقسمه الثاني لمقاربة قصيدة حمزة شحاتة
والموال الحجازي(21).‏


ويطالعنا
عبد الله محمد الغذامي بكتاب ثان هو "تشريح النص" 1987 فقدجاء في أربعة فصول توزعت عليها المقاربة التشريحية التي قام بها الغذامي
على بعضالنصوص الشعرية لشعراء معاصرين، حيث خصص
الفصل الأول لمطاردة الإشارات والرموز فينص شعري لأبي القاسم الشابي، إذ قام بقراءة
سيميولوجية لقصيدة "إرادة الحياة"،وعنون الفصل الثاني "بالخطاب الشعري
الجديد مقاربة تشريحية" أما الفصل الثالث فقدجعله سبب نصوصية النص، فكان هذا الفصل
بعنوان "ماذا النقد الألسني"سؤال عن نصوصيةالنص، وكان الفصل الرابع من هذا الكتاب تحت عنوان "من الدخول إلى
الخروج"، قراءة فيقصيدة "الخروج" لصلاح عبد الصبور،
وذلك لما فيها من الأساليب الفنية الراقيةوالأصيلة التي جعلتها حيّة وباقية لكل
الأزمان(22).‏


وفيعام 1994 صدر للغذامي كتاب بعنوان "القصيدة والنص المضاد" أعرب
فيه عن أسباب تبنيهللتفكيك أو التشريح، والقراءة التشريحية
تساعدنا عل سد أغوار النص الأدبي، إنهاآلية لتوضيح حقيقة الكتابة لإبراز جمالية
مدى صحتها، كما تبيّن أصالتها والإبداعفيها، من الانتحال والتقليد، تخرج النصوص
الوافدة إلى نص معيّن لتبرز بذلك ثقافةالقارئ وسعة اطلاعه على الكتابات الأخرى وفي
هذا السياق يقول الغذامي: "وبما أننانمارس القراءة والنقد من الداخل فهذا معناه
أننا نتعمّق في أغوار هذا الداخل ونغوصفيه أكثر كي نزداد وعياً به وبأنفسنا فيه،
وسنكون حينئذ طرفاً في محاورة مفتوحةتقوم على المعارضة والمناقضة، وتتخذ الحل
والنقض والتشريح وسائل لفتح حلقات الدائرةوالنفاذ من خلالها"(23).‏


ولقدتخلل الكتاب مجموعة قيّمة من الأشعار الجاهلية والحداثية، وقف عليها
الغذامي قراءةوتحليلاً مبيّناً طرائق خروجها عن دلالاتها
المعجمية إلى آفاق أخرى من الدلالة حسبالسياقات الواردة فيها، وحسب القراءات
المختلفة لها وهذه من سمات القراءةالتشريحية. كما تحدث أيضاً في غضون تحليلاته
لهذه الأشعار عن بعض المعاني التيتبنتها استراتيجية التفكيك، مثل المختلف
المضاد، الكامل الناقص، والحضور والغيابوهي في الحقيقة أسس لنظرية معتمدة في
القراءة التشريحية والتي من خلالها يستطيعالقارئ مطاردة المعاني والدلالات اللانهائية
للنصوص المكتوبة، كونها تمثل صخور صماءكامنة على بنية تحتية من الدوال التي تحتمل
ما لا نهاية من المدلولات والتأويلات. تلكم هي بعض الأعمال النقدية التي اعتنقت
شيئاً من الملامح النظرية لاستراتيجيةالتفكيك في الساحة النقدية العربية.‏


وإذاكان عبد الله محمد الغذامي هو أول من اقتفى خطوات التشريح في الساحة
النقديةالعربية، فإنه قد أدرك خطورة النهج التشريحي
الدريدي، وهذا ما نستشفه من قوله: "... كل تشريح هو محاولة استكشاف وجود (..) ما لا
حصر له من الدلالات المنفتحة أبداً،وهذه تشريحة تختلف عن تشريحة
دريدا"(24). ويعلق الباحث يوسف وغليسي على منهج الغذايفيقول: "وما يمكن أن نلاحظه على منهج الغذامي هو أنه منهج تركيبي
(بنيوي، سيميائي،تفكيكي) يفيد من تفكيكية دريدا حيناً وبارث
أحياناً، ولكنه يطعمها بروح نقديةخاصة..."(25). وهذا ما يعترف به
الغذامي نفسه إذ يقول: "وأنا شخصياً في كتابي "الخطيئة والتكفير" أعتمد على التشريحية
وهي مدرسة جديدة جاءت وأعقبت البنيوية،لكنني في عملي أقوم بمزج ما بين البنيوية
والسيمولوجية والتشريحية مستعيناً في ذلكبالمفهومات العربية الموجودة عند ابن جني
والجرجاني والقرطاجنّي"(26).‏

محمد صغير نبيل

المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 15/03/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى